الخطيب الشربيني
250
مغني المحتاج
يوجد منه قصد تملك ولا فعل ، لكن هو أولى به من غيره . فلو أخذه غيره ، قال في أصل الروضة : ففي ملكه وجهان جاريان فيما لو عشش طائر في ملكه فأخذ فرخه غيره ، وفيما إذا دخل السمك مع الماء حوضه ، وفيما إذا وقع الثلج في ملكه فأخذه غيره ، وفيما إذا أحيا ما تحجره غيره ، لكن الأصح أن المحيي يملك ، وفي هذه الصور ميلهم إلى المنع أكثر لأن المتحجر غير مالك ، فليس الاحياء تصرفا في ملك غيره ، بخلاف هذه الصور اه . والمعتمد في مسألة النثار أن من أخذه لا يملكه كما رجحه الشارح ، بخلافه في غيرها كما هو مصرح به في أبوابها . والفرق أن الاستيلاء في هذه المسألة أقوى ، لأنه وقع فيما هو ملابس له بخلاف غيرها ، والصبي يملك ما التقطه والسيد يملك ما التقطه رقيقه . خاتمة : في آداب الاكل : تسن التسمية قبل الأكل والشرب ولو من جنب وحائض للامر بها في الاكل ، ويقاس به الشرب . ولو سمى مع كل لقمة فهو حسن ، وأقلها بسم الله ، وأكملها بسم الله الرحمن الرحيم ، وهي سنة كفاية للجماعة ، ومع ذلك تسن لكل منهم ، فإن تركها أوله أتى بها في أثنائه ، فإن تركها في أثنائه أتى بها في آخره فإن الشيطان يتقايأ ما أكله أو شربه . ويسن الحمد بعد الفراغ من ذلك ويجهر بهما ليقتدى به فيهما . ويسن غسل اليد قبله وبعده ، لكن المالك يبتدئ به فيما قبله ويتأخر به فيما بعده ليدعو الناس إلى كرمه . ويسن أن يأكل بثلاث أصابع للاتباع . وتسن الجماعة والحديث غير المحرم كحكاية الصالحين على الطعام ، وتقليل الكلام أولى . ويسن لعق الاناء والأصابع وأكل ساقط لم يتنجس أو تنجس ولم يتعذر تطهيره وطهره . ويسن مواكلة عبيده وصغاره وزوجاته ، وأن لا يخص نفسه بطعام إلا لعذر كدواء بل يؤثرهم على نفسه ، ولا يقوم المالك عن الطعام وغيره يأكل ما دام يظن به حاجة إلى الاكل ومثله من يقتدي به ، وأن يرحب بضيفه ويكرمه ، وأن يحمد الله على حصوله ضيفا عنده . ويكره الاكل متكئا وهو الجالس معتمدا على وطاء تحته ، كقعود من يريد الاكثار من الطعام ، قاله الخطابي ، وأشار غيره إلى أنه المائل إلى جنبه ، ومثله المضطجع كما فهم بالأولى . ويكره الاكل مما يلي غيره ومن الأعلى والوسط ، ونص الشافعي على تحريمه محمول على المشتمل على الايذاء ، ويستثنى من ذلك نحو الفاكهة مما يتنقل به فيأخذ من أي جانب شاء . ويكره تقريب فمه من الطعام بحيث يقع من فمه إليه شئ وذمه ، لا قوله لا أشتهيه أو ما اعتدت أكله . ويكره نفض يده في القصعة والشرب من فم القربة والاكل بالشمال والتنفس والنفخ في الاناء والبزاق والمخاط حال أكلهم ، وقرن تمرتين ونحوهما كعنبتين بغير إذن الشركاء . ويسن للضيف وإن لم يأكل أن يدعو للمضيف كأن يقول : أكل طعامكم الأبرار وأفطر عندكم الصائمون وصلت عليكم الملائكة وذكركم الله فيمن عنده ويسن قراءة سورة الاخلاص وقريش ، ذكره الغزالي وغيره . ويندب أن يشرب بثلاثة أنفاس بالتسمية في أوائلها وبالحمد في أواخرها ، ويقول في آخر الأول : الحمد لله ، ويزيد في الثاني : رب العالمين ، وفي الثالث : الرحمن الرحيم ، وأن ينظر في الكوز قبل الشرب ، ولا يتجشأ فيه بل ينحيه عن فمه بالحمد ويرده بالتسمية ، والشرب قائما خلاف الأولى . ومن آداب الاكل : أن يلتقط فتات الطعام ، وأن يقول المالك لضيفه ولغيره كزوجته وولده إذا رفع يده من الطعام : كل ويكرره عليه ما لم يتحقق أنه اكتفى منه ، ولا يزيد على ثلاث مرات . وأن يتخلل ، ولا يبتلع ما يخرج من أسنانه بالخلال بل يرميه ، ويتمضمض بخلاف ما يجمعه بلسانه من بينها فإنه يبلعه . وأن يأكل قبل أكله اللحم لقمة أو لقمتين أو ثلاثة من الخبز حتى يسد الخلل . وأن لا يشم الطعام ، ولا يأكله حارا حتى يبرد . ومن آداب الضيف : أن لا يخرج إلا بإذن صاحب المنزل ، وأن لا يجلس في مقابلة حجرة النساء وسترتهن ، وأن لا يكثر النظر إلى الموضع الذي يخرج منه الطعام . ومن آداب المضيف : أن يشيع الضيف عند خروجه إلى باب الدار . وينبغي للآكل أن يقدم الفاكهة ثم اللحم ثم الحلاوة ، وإنما قدمت الفاكهة لأنها أسرع استحالة ، فينبغي أن تقع أسفل المعدة . ويندب أن يكون على المائدة بقل ، وسيأتي إن شاء الله تعالى زيادة على ذلك في باب الأطعمة .